الخميس، 7 يناير 2016

الباص657 ومتلازمة استوكهولم







داود الجلنداني

حمل الفيلم اسماً لافتاً وهو «سطو» ويُعرف كذلك بــ«الباص 657»، ويبدو للوهلة الأولى بأنه كأي فيلم أكشن وإثارة تقوم مجموعة بسطو ينتهي باختطاف أو فشل وفي قبضة الشرطة، إلا أن كاتب الفيلم، أو الكاتبين في حالتنا هذه (ستيفان سيروس، ماكس آدمز)، يبدو ذكياً أكثر مما نتصور. تتلخص قصة الفيلم في الأب «فوغن» الذي يؤديه جيفري دين مورجن ويعمل في كازينو يملكه «البوب» الذي يؤدي دوره روبرت دي نيرو، هذا الأب هو الشخصية المحورية في الفيلم والذي يتصدر البطولة على دي نيرو الذي يبدو بادئ الأمر بأنه الشخصية الأولى للفيلم، وهو ما قد يُعطي انطباعاً على قرب إحالة ممثلنا العظيم للتقاعد. يُقرر الأب المعدوم، والمضطر لدفع تكاليف علاج ابنته، التعاون مع أحد العاملين بالكازينو لسرقته إلا أن الأمور تمضي على عكس ما خططوا له فيجدون أنفسهم مضطرين لاختطاف باص النقل العام وبالتالي في وضع اشتباك مع الشرطة فتتعقد المسألة أكثر على الأب. يُطلق «البوب» الغاضب أتباعه لمطاردة اللصوص فلا أحد يسرق وينجو بحياته. ينتقل بنا المخرج خلال الأحداث إلى عرض جوانب من حياة البوب الخاصة ومشاكله الأسرية التي تُلقي بظلالها على نهاية الفيلم. تتقاطع الأحداث وتتأزم أكثر ومن خلال الوقت الذي يمضيه المختطفون الذين يسقطون تباعاً تنشأ علاقة بين «فوغن» وبعض الركاب الذين يحاول حمايتهم من بطش «كوكس» أحد أفراد العصابة. تتكشف الحبكة التي أبدع الكاتبان في صياغتها مع الوقت، وفي اللحظة التي يظن فيها المشاهد بأن البطل عالق لا محالة في قبضة العدالة «المضروبة» ينجو ويتمكن من دفع تكاليف علاج ابنته. وتبقى الطريقة التي نجا بها وبعض الأحداث التي تربط خيوط القصة أمراً غير محبذ الذكر هنا حتى لا تضيع متعة المشاهدة على القارئ.

تطرق الفيلم وإن بشكل غير مباشر إلى قضية مهمة تشغل المجتمع الأمريكي، وهي قضية التأمين الصحي. لطالما مثلت هذه القضية أحد أهم أجندات الأحزاب السياسية لكسب تأييد الجمهور في صناديق الاقتراع. يُعاني البطل «فوغن» من عجز مالي في تسديد تكاليف العلاج وهو ما يجعله ضحية لتحريض «كوكس» ثم الإقدام على جريمة السطو. هنالك أيضاً قضية أخرى استعرضها الفيلم عن طريق بث الإشارات والإسقاط وهي أزلية الفساد في جهاز الشرطة، ولا يعد هذا الفيلم الأول الذي تطرق لها إلا أن السياق الذي وضعت فيه وربطها بالحبكة والطريقة التي تكشّف فيها فساد المحقق يحسب لصالح كاتبيّ السيناريو. هنالك أيضاً الشرطي الصالح الذي يُقدم مصلحة الرهائن ويتعاطف مع أسرة «فوغن» وقد قدّم هذا الدور الممثلة جينا كرانو. وقد يُفهم التطرق لهذه القضية في هذا التوقيت، وإن اختلف السياق، على أنه ربط للأحداث التي شهدتها مدن أمريكية كبرى مثل نورث شارلستون وسانت لويس وبالتيمور، والتي واجهت فيها الشرطة حشودا غاضبة على مقتل شبان سود فيها. طرح الفيلم كذلك عدة قضايا بالإضافة إلى السابق ومنها على سبيل المثال قضية العسكريين السابقين الذين قدموا خدمات للمؤسسات العسكرية والأمنية ليجدوا أنفسهم غير قادرين على سداد نفقات علاج أبنائهم ليستغلوا كل ما تعلموه من تدريب ضد القانون ولعل ذلك ما نلمسه بشكل مؤثر في الحوار الذي دار بين البطل وسائق الباص الذي قال له
 you are trained to be Heroes  
أي أنه قد تم تدريبكم لتكونوا أبطالاً، وفي ذلك إشارة ضمنية وعتاب للبطل وللحال الذي آل إليه. كذلك قضية الأسرة وذلك الصراع الأزلي بين التضحية والحياة والركض المحموم وراء المادة لتأمين العيش الكريم. ففي بعض مشاهد الفيلم المؤثرة وواحد من أهمها هو المشهد الختامي عندما وجد روبرت دي نيرو نفسه مضطراً لقتل أحد أخلص العاملين لديه لينتصر لموقف البطل الذي ضحى بنفسه من أجل إنقاذ ابنته، هذا المشهد قدم للمشاهد صراعاً بين أبوين، الأول ضحى بوقته ونفسه وأسرته ليخسر الجميع والآخر ضحى بنفسه ليستعيد ابنته، إنه ذلك الشعور القاهر الذي يقف عنده الإنسان حائراً لا يستطيع له تفسيراً والذي اختصره روبرت دي نيرو بقوله للبطل
  you are a good father


العلاقة التي نشأت بين البطل المُختطِف وبعض الرهائن ذكرتنا بما يعرف «متلازمة استوكهولم»، والتي ترتبط عادة بحالات اختطاف الرهائن وهي تُنسب إلى المدينة والعاصمة السويدية حيث وقعت أحداث السطو على بنك كريديت بانكن في أغسطس 1973م والتي استمرت لستة أيام، بنى فيها المخطوفون علاقة إيجابية مع الخاطفين ودافعوا عنهم أثناء محاكمتهم. ظهر هذا المصطلح أول الأمر على يد الطبيب النفسي والباحث في علم الجريمة نيلز بيجيروت وبذل بعد ذلك الطبيب النفسي فرانك أوشبيرغ جهوداً لتعريف المتلازمة وتوضيحها لمكتب التحقيقات الفيدرالية والشرطة البريطانية التي طلبت من المختصين وضع استراتيجيات للتعامل مع حالات اختطاف الرهائن. يقول الدكتور أوشبيرغ: إنه يتكون عادة شعور إيجابي وأصيل تجاه الخاطفين يجعل الرهائن في وضع التبرير لعملية الاختطاف خاصةً إذا ما لاقوا معاملة حسنة. حيث أشارت إليزابيث أولدجرين، أحد المخطوفين في حادثة البنك، إلى أنها كانت تعاني من رهاب الأماكن المغلقة وقد سمح لها الخاطفون بحرية التجول خارج القبو الذي كانوا يحتجزونهم فيه، وقد رأت في ذلك فعلاً نبيلاً على الرغم من أنها واقعة في أسر اللصوص. وتعمل هذه المتلازمة على إبراز التعارض في المشاعر لدى الرهائن والخاطفين على السواء، فقد أوضح جان إيريك أولسون وهو أحد الخاطفين بأن قيام الرهائن بما يطلبهُ منهم جعل من الصعبِ عليه أن يقتلهم ولم يجد مع مرور الأيام مفراً من التعرف على بعضهم البعض. ولا توجد معايير متفق عليها بخصوص هذه المتلازمة، كما أن أكبر دليلين للصحة النفسية والعقلية لا يشتملان عليها. ويرى الكثير من الباحثين أن ما حصل في حادثة البنك يُعد أمراً نادراً لا يتكرر كثيراً، إلا أن بعض الأخصائيين النفسيين يرون بإمكانية الربط بين المبادئ الرئيسية للمتلازمة ومختلف حوادث الاختطاف.

واجه الفيلم انتقاداً على الدور الذي لعبه روبرت دي نيرو، حيث يرى المعجبون بهذا البطل أنه تنازل عن بطولة الفيلم لصالح جيفري دين مورجن الذي يندفع للواجهة مقدماً صورة الجانح السابق والأب البطولي، في حين أن القصة لم تركز على دي نيرو سوى في صورة المجرم الذي يجد في نهايته الحتمية فرصة لعملٍ خيّر. كما أن المتابعين لأفلام دي نيرو السابقة يجدون صعوبة في تقبل تقمصه للدور في هذا الفيلم، حيث إنهم يرون أن أداءه كان هزيلاً مقارنة بما قدمه في السابق وهو ما فسره بعض النقاد على أنه إحالة للتقاعد. قضية الأدوار الثانوية للممثلين قضية في غاية الأهمية وليس بالإمكان التطرق إليها في قراءة سريعة للفيلم كونها تنتمي إلى «علم السينما» إذا جاز القول وتحتاج إلى الكثير من العمق في الطرح وربما تخصيص موضوع منفرد لها، فالكثير من الأدوار الثانوية قد أضافت للممثلين ولم تنتقص منهم وهي تأتي بعد دراسة معمقة للممثل يدرس فيها جميع البدائل التي أمامه ولا أدل على ذلك من تخصيص جوائز الأوسكار لبعض الأدوار الثانوية التي نجحت في تحقيق مكاسب كبيرة لبعض الأفلام.

أما فيما يتعلق بالتقنيات المستخدمة في التصوير فلم تأت بجديد حيث إنها تُستخدم في جُلّ أفلام الإثارة والجريمة. ومع هذا، فإنه من الممكن اعتبار الفيلم كوجبة سريعة تخرج بعدها غير نادم وغير مأخوذ بالدهشة    .

*نُشرت هذه القراءة في ملحق شرفات
 

هناك تعليق واحد: